أحمد بن علي القلقشندي
393
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
يقتدى بهم في القول والعمل ، و [ ( 1 ) ] الاحتفال من يعتنى بأمره ويحتفل ، ولا سيّما من سارت طريقة فضله المثلى في الآفاق سير المثل ؛ ولا زال عرف معروفهم على ذوي الفضائل يفوح ، وجياد جودهم تغدو في ميدان الإحسان وتروح ، ونيل نيلهم يسري إلى القصّاد فيحمد سراه عند الغبوق كما يحمد سراه عند الصّبوح . هذه المكاتبة إليهم تقريهم سلاما ألطف من النّسيم ، وتهدي إليهم ثناء مزاج كاتبه من تسنيم ( 2 ) ، وتبدي لعلومهم الكريمة أن الجناب الكريم ، العاليّ ، الشّيخيّ ، الإماميّ ، الفاضليّ ، البارعيّ ، الأوحديّ ، الأكمليّ ، البليغيّ ، المقدّميّ ، الخطيبيّ ، البهائيّ ، أوحد الفضلاء ، فخر العلماء ، زين الخطباء ، قبلة الأدباء ، قدوة البلغاء ، صفوة الملوك والسلاطين ، خطيب الموصل - أدام اللَّه المسرّة به ، ووصل الخير بسببه ، ونفع بفوائد فضله وأدبه - ورد علينا بطرابلس المحروسة ، فحصلت المسرّة بذلك الورود ، وتجدّد بخدمته ما تقدم من وثيق العهود ، وأبدى لنا من نظره الفائق الرّقيق ، وإنشائه المغني عن نشوة الرّحيق ، وكتابته التي هي السّحر الحلال على التّحقيق ، ما نزّه الأبصار وشنّف الأسماع ، وقطع من فرسان الأدب أسباب الأطماع ، فأزال عن القلب الكئيب فكرا ، وأخجل من الرّوض الأنيق زهرا ، وأخمل من المسك السّحيق عطرا ؛ وكيف لا ؟ وهو النّفيس الذي جمع فيه قديم الأدب وحديثه ، والجليس الذي لا يسأم كلامه ولا يملّ حديثه ؛ يا له أديبا ليس فيما يبديه من الأدب تحريف ولا غلط ، وفاضلا لو لم يكن بحرا لما كان الدّرّ من فيه يلتقط ؛ يمينه وفطنته الكريمتان ذواتا أفنان : فهذه إن رقمت طرسا فروح وريحان ، أو بذلت برّا فعينان تجريان ، وهذه إن نظمت شعرا
--> ( 1 ) بياض بالأصل . ( 2 ) التّسنيم : ماء في الجنة . وفي التنزيل العزيز : « ومزاجه من تسنيم عينا يشرب بها المقرّبون » . المطففين / 27 .